مكة المكرمة في (الشتاء) !

تدهشني (مكة) !

حسنا ، هي دوما كذلك ..

قررت أن أقضي إجازتي الاسبوعية في رحاب مكة الطاهر .. كنت أريدها مختلفة ، مختلفة تماما عن أي زيارة سابقة !

جعلتها ٣ أيام متتالية ، حجزت رحلتي نحو جدة ، قبل أن أخطو أول خطواتي المطار رجوت الله أن تكون فعلا إختيارا صائبا أرجع لعملي بروح غير تلك التي كنت  !

وصلت مكة والمؤذن يرفع أذان الفجر ، السماء متخمة بالسحاب الذي يريد أن ينزل حمولته على الارض كي يتبدد وينشئ سحابا آخر في حركة لا تتوقف من رحم الله بخلائقه !

أتيت و أنا أحمل في ظهري حقيبة وضعت فيها ملابس للنوم ، و فرشاة أسنان ، والمعجون ، والشاحن المتنقل ، وكتاب ، أردت أن أتخفف من كل شئ !

دائما تسمع العبارة (نيويورك المدينة التي لا تنام) فنرد عليهم وكأن الحرب أيضا بيننا كلامية ووجودية و دينية (مكة المدينة التي لا تنام ) !

قبل أن يشرع المؤذن بوقت الخيط الابيض من الخيط الاسود من الفجر ، أفواج من الحشود التي تمشي ومن كل الجهات ، الشمال و الجنوب ذات اليمين وذات اليسار  ! وإذ بعينيك ترى عرفة بأيام الحج وليس فرض ديني في صلاة من خمس تتكرر في اليوم  !

منظر مدهش ترى فيه الجميع يمشي دون إجبار ودون إذعان لأمر أحد ما ، ذاهبون لأحد يرغبون فعلا في لقاءه،  يتعثر أحدهم ليمسك به الآخر كي يصل لنهاية مبتغاه ليدعو و يصلي ويلهث بالذكر لمن يريد أن يقابل !

كنت قد وضعت نواميسي الخاصة ، سأجعلها رحلة شبه إنعزالية بأن أراقب الناس ، وجوههم ، وإيمائاتهم ، سكناتهم ، حركاتهم المفاجئة ، أصواتهم ، إبتساماتهم ، جديتهم ، هزلهم ، أن أراقب كل ذلك في نفسي أيضا ، وكيف سأقرا ذلك المصحف الأخضر الذي يوجد في كل مكان !

بعد أن صلى الجميع الفجر ، وقرر بعض المصلين أن يعودوا إلى مسكنهم ، أنتظر شروق الشمس في صحن الكعبة ، لطالما أدهشني منظر الغروب و الشروق كآيتين من أيات الله ، ولكن أردت أن أمعن النظر في إنعكاس أشعة الشمس على الساتر الاسود من الكعبة ، تلك الكعبة التي تخطفك نظرك في كل مرة ، تشعر مع كل خطوة تخطو إليها والتي تأتي لها من أبواب الكعبة ، بأن أنفاسك المتلاحقة ، ودقات قلبك المتسارعة هي الاكثر حماسا وكأنها تعتب و تصيح على الخطوات الكسولة و البطيئة كليهما تستحثا الخطوات كي تعدو بدل أن تمشي كي تصل !

يبدو بأن الشمس لن تطل صبيحة ذلك اليوم ، فالسحاب ما زال يحمل بين طياته كتل الماء مقررا حجب أشعة شمس هذا الصباح   ..

بعد أن وطأت قدماي وكأنها أول مرة صحن الكعبة ، بدأت دون قيد أذكر الله و أسبحه ، أحاول جاهدا أن أستحضر من مخيلتي قصص شتى حدثت في هذا المكان الذي ماتت فيه أشخاص ، ولم يمت المكان ، بل هو الآخذ في التمدد و التوسع يوما بعد يوما  !

بدأت في تخيل كلا من إبراهيم و إسماعيل ينشئون قواعد البيت ، هاجر هناك تمشي تارة و تهرول وهي قلقة تريد حفنة ماء ، محمد يدخل من بعيد ومجموعة من البشر يرتفع أصواتهم فيهدؤون فجأة ليختاروا محمدًا ويحتكموا لأمره ، الاصنام التي لا تنفع و لا تضر ، عمر الذي قبل أن يقبل الحجر الاسود يتمم بكلمات كقوله (والله أعلم أنك حجر لا تضر و لا تنفع ولولا أن قبلك رسول الله ما قبلتك) ، محمد مرة أخرى يدخل مكة وهو منتصر دون أن يريق دم واحد ويسمح ويصفح وإذا بأحشاد من البشر تحمله فوق أكتافهم ، الكعبة التي يتغير شكلها مع مرور السنوات …

ودعوة إبراهيم تلوح في الافق(رب إجعل هذا البيت آمنا و أجعل أفئدة الناس تهوي إليه و أرزق أهله من الثمرات ) .. عجيبة تحقق هذه الدعوة وكيف هي على مرأى ومسمع منك في تلك الكتل البشرية التي تطوف وتسعى وتبيع وتشتري وتذهب و تجيئ في حركة لا تتوقف أبداً !

أرجع لحاضري فأرى تلك الجموع حولي ، ينهمر المطر وبالمصادفة يمر من جانبي معتمرين أحسبهم من وجوههم من ذوي الجنسية (الاسيوية الماليزية) وكلهم قد تخطوا الخمسين من العمر في منظر أكثر دهشة مما كنت أرى قد خروا ساجدين لحظة سقوط المطر ،  تسمع بكائهم الذي إختلط ماؤه بماء السماء المنهمر ، قد علموا بأن رحمة في الارض هطلت ، و أبواب من إجابة الدعاء فتحت !

الكثير أغلقوا مصاحفهم ، وبدأ عمال النظافة في نفير كبير تلقي وتلقف كل المصاحف من الأيادي ، ليحموه من وقع المطر .. طفل صغير يركض دون توقف و لا تعثر ، الابتسامة تعلو الوجوه ، لا يذكرون أبدا أنهم حزنوا في يوم ما !

الكل يحمل هاتفه المحول كي يسجلوا لحظة ربما لن يشاهدوها مرة أخرى أبدا ، المطر و الكعبة و المعتمرين و مآذن الحرم ، لقطات نادرة لا يمكن أن تتكرر !

بعد إنقضاء ساعتين ، قصدت توسعة الملك فهد عن قصد ، أردت أن أحضر مع المجموعات المتحلقة حول شخص ما كي يستمعوا لما يقول ، هكذا تخيلتهم ، غير أنني لم أرهم لوحدهم ، بل رأيت الكثير من الحلقات و الدوائر و الاشخاص ، الكبير و الصغير ، احترت لدى أيهم سأحضر ، هل سيقبلون بي ؟ هل سيقولون لذلك الغريب أنت مقبول لدينا فأقترب ! أم أنهم سيقيمون لوني و جنسي وجنسيتي ؟

إقتربت على مضض من إحداها ، كانوا مستغرقين في الاستماع و التدوين لما يقوله شيخهم ، فتارة يأتي بدليل ، وتارة يستشهد بحديث نبوي ، وفي مرة بيت من الشعر العربي !

لم يلتفتوا لدي أصلا ، وكأن القادم منتمي لهم ، وممزوج بثقافتهم ، وليسوا من ذوي الجنسية الواحدة بكل كانوا من جميع الجنسيات والالوان و الاشكال !

إرتأيت أن أكمل باقي يومي في الحرم ، لن أذهب لكي أنهي أوراق دخولي للسكن ، فما زال الوقت مبكرا ، والمشاهد هذه تأسرني ، أريد أن أسجلها بعيني ، وأريد من حواسي أن تفيض بما فيها ، لتشعر بالدهشة و الغرابة !

ذهبت في ركن قريب بعد أن تخطيت الرقاب و الاجساد التي لازمت سجاد المسجد وذهبت مستغرقة في نوم عميق ،  أجيب عيني في الانحاء ، أغلق عيني لاسمع الاصوات التي تقرأ القرآن .. وفجأة دون أن أدرك أنضممت لقوافل من إتخذ المسجد ليأخذ قسطا من راحته ، غفوت !

بعدما صحوت على وقع أحد المصلين الذي كان يحمل في يديه كرسّيه الخاص كي يتكئ عليه بظهره ، وثلاجة قهوة يحملها في يده الاخرى ، نظرت في الساعة وإذ بها تشير إلى التاسعة من صبيحة ذلك اليوم .. ثلاث ساعات مفعمة بالكثير من أرض مكة الطاهر ، والواعدة بالاكثر في باقي الايام ،  حان الوقت لكي أذهب نحو حجز السكن وإراحة جسدي لما تبقى من اليوم الذي لن يكون أقل جمالا وروعة من صبيحته !

كنت قد إتخذت سكنا قريبا أرى فيه المآذن من كل الجهات ، إستيقظت قبيل أذان العصر ، وأول ما أردت التأكد منه هو طقس ذلك اليوم ، التوقعات تشير قبل أن أهم بالنوم إلى مطر متفرق الاوقات ، الآكد من كل ذلك هو أن السحب الملبدة بالغيوم ستزال في مكانها لا تتزحزح لتفضي على المكان شيئا من الروحانية و اللطف !

صليت العصر ، وإتجهت كي أطفي الجوع الذي يقرص معدتي ، لم أنتبه بأني لم آكل ، لقد كنت أقتات على تلك المناظر الاسرة ، لم آبه بالجوع مطلقا !

تأتي لمخيلتي دعوة إبراهيم مرة أخرى في (وأرزق أهلها من الثمرات) مدهش هذا المنظر الذي ترى فيه الناس يموج بعضهم في بعض ، متبضعين و متجولين و آكلين من المحلات المجاورة للحرم ، فما إن يكبر إتساع الحرم حتى يكبر معه مساحة التجارة وكأن بقوافل قريش تلك القديمة قد حطت مكانها ولم تغادر ، بل الوفود من قدمت لها ونمت رأس مالها وهي بين أهلها وواديها الذي أصبح ما دونها قاعا صفصفا وهي الوحيدة شامخة بالكعبة وما جاورها بقيا كما هما لم يتغير فيها شئ !

عدت للحرم ، قصدت حلقات الفقه تلك في صبيحة ذلك اليوم ، وتذكرت بأن الخميس هو موعد للصيام فيه تكون موائد الافطار وتوزيع التمور ومشاركة المصلين لطعام واحد حاضرة !

لم أرى أشخاص يحملون على صدورهم بطائق تشير لجهة خيرية ترعاهم ، بل هم أنفسهم مشاركين لم يحملهم على عملهم ذاك غير الاجر و المثوبة ، يوزعون التمر و القهوة و ماء زمزم على جموع الصائمين و المصلين !

أعرف قليلا من حجم تلك السعادة اللذيذة التي يشعروا بها ، فقدت شاركت قبل سنين مع مجموعة تطوعية في مكة خدمة للمعتمرين ، لا تزال كثيرا من ذكرياتها عالقة في الذهن وما جعلها كذلك حجم السعادة التي أرتبطت بمكان وزمان لخدمة الناس و البشر !

خلدت في نوم مبكر كي أصحو قبيل الفجر لاقصد سطح الحرم المكي ، صحوت وإتجهت مباشرة لحيث قصدت ، كنت قد إستغربت لماذا بعضهم يحمل فوق كتفه ساتر من البرد !!

إكتشفت لماذا حينما فرغت من الصلاة ، وكأنني لم أكن بمكة قط ، فلم أعهد بأن طقسها سيكون باردا البتة ، الجو يوحي لك بأنك في أعالي جبال الهدا من جهة الطائف أو السودة من جهة عسير !

بعدما أبتعت من أحد المحال القريبة كوبا من القهوة ، كنت قد حملت معي كتابا أحضرته ، وعيني على كتابا آخر بالتأكيد (المصحف) بدأت في قراءة سورة البقرة ، في هذه المرة عزمت على ألا تمر أي آية مرور الكرام ، بل سوف أسأل في جزيئاتها وتفاصيلها ، ومعاني كلماتها ، سأسقطها على حياتي ، والتاريخ ، وإستشراقات المستقبل ، ومقارنة الحضارات ، والاديان ، وشخصيات الرسل ، والصحابة !!

كانت كل آية تجعلني أتوقف ، أعيدها بعد أن أعيها و أبحث عن معانيها ، تصيبني خيبة أمل بأني لم أحمل نفسي على فهمها من قبل ، وحماس آخر على النقيض كي أفهم ولو قليلا ما يقوله الله جل جلاله !

مرت ساعات ولم أشعر بها من فرط التشوق و الروعة !

قبيل صلاة الجمعة شاهدت نفرا يقف وخلفه مبادرة تخبرك بأن و عند إرتقاء الخطيب لمنبر الصلاة قناة عبر الاثير تستطيع تحميلها من خلال الهاتف المحمول والاستماع لخطبتك بلغتك المختارة ، مباردة طيبة وجميلة !

يغص الحرم عن بكرة أبيه بالجموع في ساعات مبكرة قبل الجمعة ، وبعد نهاية الصلاة يذهب كل في عمله وأستحضر (فإذا قضيت الصلاة فإنتشروا في الارض وابتغوا من فضل الله ) !

مرافق الحرم ، والاهتمام بالنظافة يشعرك بالفخر ، كونك مواطن ومسلم وتعكس صورة إيجابية للشعوب ، دورات المياه ، الساحات ، الامانات ، الكراسي المتحركة ، أعمال التوسعة ، وهلم جر من قائمة لا تنتهي أبدا !

كنت قد جعلت التساؤل في كل شئ قرينة رحلتي هذه ، عن كل شئ ، عن نفسي و عن الناس ، كل شئ جعلته يحفط في مخيلتي ، ولاقوم بتحليله لحظتها أو في نفس ذلك اليوم ..

قررت بأنها تجربة حافلة يجب أن تتكرر في السنة مرات و مرات ، نحن كمواطنين و خليجيين محسودين على نعمة عظيمة ، فغيرنا يجمع ما دونه ووراه كي يصل هنا ، وقد احدودب ظهره ، وتشققت رجليه ، وعلمّت أمارات السنين على وجهه و شعره ! ونحن نستطيع القدوم بمكة و المدينة متى ما أردنا ، وبأقل التكاليف !

فالحمد لله من قبل و من بعد ، تحقق ما رغبت به ، ورجعت متجددا و مضفيا روحا جديدة تمدني بالحياة أياما و شهورا !

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: