أمي (من تشبهني) !

دوما ما قالت لي أن تؤمن بالمستحيل كي تصل !

فلذة كبدها الذي ولد بكراً ، وقد خلّف عليها بعضا من الالام مخاض الولادة ، فهي التي تقول أنت أكثر من دللّتك ، و أكثر من أوجعني حينما دفعتك دفعا للحياة في خضمها الكبير !

لطالما آمنت بالأضداد بين الأزواج ، فحين يكون والدك ليّنا كانت أمك أرحم في أن تشد عليك ولمصلحتك دوما ، وهذا ما كانت عليه والدتي !

أتذكر جيدا كيف كنت عنيداً حينما لا أفتح فمي كي أتجرع دوائي ، تحاول معي عبثا في أن تفتح معبراً للترياق دون جدوى ، حيلة ملعقة الطعام ثم على حين غرة تعطيني دوائي المُرّ كانت طريقتها الفعالة !

لا زلت أتوارى خجلا من ذكرياتي حين إستحضاري لشريط متكرر لامراضي و أوجاعي ، لأني أعلم يقينا بأني سأقظ مجضعها هي أيضا ، فحين خلودي إلى النوم أسمع خطواتها القادمة واضعة يدها على جبيني كي تتأكد من درجة حرارتي أنها في نزول ، ولكي تطبع قبلتها على الجبين قبل أن تغادر ، و أن تقوم أخيراً بحركة خاطفة تقبل رجلّي إبنها الغارق في صراع مع المرض ، وفي ردة فعل سريعة أستيقظ كي أسحب قدمي عنها ، حياءا وخجلا ، ومعاتبا إياها بعدم تكرار فعل ذلك !

لا أتذكر أن كانت لي أما واحدة ، جمع كبير من أخوات أمي كن أمهات لي أيضاً ، قضينا نحن و أبنائهم عمرا كبيرا نقضي أيامنا في بيوت بعضنا البعض ، نلعب ، و نمرح ، ونتشاجر ، ونتسامر ، وقد نبيت عندهم يوما وكأنه يوم عيد أو أن نستضيفهم فيكون بيتنا موطن العيد الأكبر ، وهكذا كبرنا معاً ، وتشتتنا أيضا في مسارات الحياة !

ولأن والدتي طموحة ومعلمة ومربية وقوية المراس أيضا أعتقد بأني تطبعت بطبعها ، لا أتذكر بأني قد أتعبتها بدراستي مثلما أتعبتها في أيام المخاض ، حتى الصف الرابع الدراسي سلمتني دفة القيادة ومنها إنطلقت كي أدرس بقية مشواري !

لم يكن شخص يبث لي نجواه ويستأمنني على قصص و أسرار العائلة مما جعلني أكبر عن قرنائي في مثل نفس العمر سواها  ، فمنذ كنت في المرحلة المتوسطة كانت ترى نفسها في ولدها مرآتها الاخرى ، بعدئذ أخذت على عاتقي تحقيق آمانيها في كثير من الامور ، كانت تدفع بي دفعا بكلامها العذب ، وصدق أفعالها ، و أحاسيسها الجياشة  .. !

هي اللي تقول “الله يطعني عنكم” ، فآبى عليها ذلك القول ، وأرجوها بلا طاعن و لا مطعون !!

ساهمت كثيرا في توثيق تسلسل تطور إبنها الزمني في ألبوم الصور فمنذ كان طفلا رضيعا تلبسه الغترة الحمراء التي تعود لوالده ، ربما تريد أن يكبر سريعا ، ويكون لائقا لغترة أبيه تلك ، ينمو قليلا ذلك الطفل ، وتستحث والده كي يذهب به إلى محل أستديو الصور ، تحشوه بالكثير من الفرو ، يلتقط عامل المحل الصورة وهو في حضن أبيه وفي عينيه علامات الرهبة و الغرابة ، تكبر العائلة قليلا فيصبح كلا من “حسام و مها” في ألبوم الصور ، الجدة أيضا شاركت مع أحفادها في طلعة برية و مع خال الاولاد والأم توقف اللحظات في صور متعددة تملأ بها ألبوم الصور !

ما أظهره للملأ بأني قوي الشكيمة شديد البأس ، ولكني أكون ذليلا عندها ، لطالما قادني عنادي ذلك إلى مآلات تغضبها و  تثير حنقها  ، فتقوم بتأديبي إما “بعلاقّة على الظهر” أو “خيزران مرن” أو أسهلها “حذاء في المتناول” ، ولكن أقصى أقصى عذاباتها تلك التي تقاطعني حينها في الكلام و السلام !!

أتمنى حينها بأن تنشق الأرض لتبتلعني ، أن أعود خطوات بالزمن إلى الوراء كيلا أعيد فعلتي تلك أو قولتي تلك التي أثارت ثآئرتها !

لعلني لا أقوم بإظهار عاطفتي لديها ، وهي التي تقول بأن الله أعطاك رجاحة في “العقل” فغلبت على تلك “العاطفة” ولكن أي عقل ذلك الذي لا يهدأ له بال إن لم يدلف إبنها باب البيت كي أسأل ، أين أمي ؟ وماذا أعدت لنا أمي ؟ و أين ذهبت أمي ؟ وكم ستبقى أمي ؟ ومتى ستنام أمي ؟ ومتى ستستيقظ أمي ؟

كل البيت يدور حولها وفي فلكها ، وهي الملكة ، والحاكمة ، والقاضي العدل !

أطيب الطعام كان من صنع يدها ، وهي التي تعد ما لذّ وطاب  فتقول “لا يشفي قلبي عداك” وذلك بقدرتي الفلكية في إبتلاع كميات كبيرة من الطعام ، فإنعكس ذلك حجما في شكلي بإكتسابي قليلا من الكيلوجرامات !

ولأنني الآن تتساقط دموعي حين أكتب ، دعيني أخبرك بأني طفلك الذي يظهر دون جدوى كبرياءه ، يقول لك “الله يطعني عنك” ! لآكون أنا المطعون و السابق و اللاحق من قبلك و من بعدك !

لعل الله يمُد في عمري لأحقق ما تريدين ، فأنت الذي لم يشبع أن يتعلم و أنا الذي لن أشبع حتى أتعلم !

ولأني أشبهك ، سأهمس لك قائلا بأني : أحبك !

أطال الله في عمرك ، ورزقنا برك !

من إبنك الذي لا تزالين ترينه صغيراً : عبدالعزيز إبن شريفة بنت علي بن محمد الحمادي !

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: