نضج !

في أحد ناطحات السحاب التي تعج بها مدينة دبي ، والمطلة على بحيرة المارينا .. منظر الحضارة يأسرك بالبنايات المتجاورة ، والاضواء مختلفة الالوان التي تومض بريقا بين حين و آخر أو كالتي تشد إنتباهك كإعلان في قلب بناية مقابلة إعلانا لمطعم أو علامة تجارية إستهلاكية  ! أو كتلك العمارة البعيدة و التي تومض بالاحمر وتختفي في أعلى عمود لها منبهة للملاحين في الاجواء تجنب الاصطدام بها في كل مرة مع غروب شمس المدينة عند نهاية كل يوم  ! 
من خلال الشرفة في دورها الرابع عشر إلتقى الصديقان وبدأ في خلق موضوع للنقاش .. كان لُبّه مواضيع قد نوقشت من الطرفين في وقت سابق
لا يهم ماهية الموضوع كيف إنتهى أو حتى كيف بدأ ، ولكن اللافت بالحدث هو نضجوهما بعد فترة من زمن إنقطعا فيه عن بعضهما البعض ، ولم ينقطعا خلالها الطرفان نضوجا يوم بعد يوم و سنة بعد سنة
لا يقاس نضوج الشخص بمدى تقدمه بالعمر ، لا يجعله يَكبر ويزداد وعيا بنفسه و بمحيطه غير عصارة الاحداث التي كونته وجعلته اليوم شخصا ذو حكمة ، و بصيرة ، يدير حلقة نقاش ما ناقضا فيها تفكيره القديم الذي كان مؤمنا به أو مطعما إياها بكثير من الرؤى و الاستشهدات بعدما آمن بالفكرة يوما بعد يوم ونقشت على صدره بأدلته الدامغة و منطقيته الصحيحة لتصبح جزءًا من شخصيته وقرينة بكيانه
كم من شخص إشتعل الرأس في شعره الشيب و لا زال هو كم هو ، بعقلية طفل مراهق أو كالذي لم يتجاوز عقله مقاعد الجامعة فبقي كما هو بمنطق متخلف بالسنين عن أبناء جيله  .. وآخر في المقابل فتى غض ولكن عقله يزن في كفته عشرا من الذين عقرتهم الحياة عمرا و لم تسعفهم تجربة فيها
أعتقد أن ما يجعل المرء أكثر نضوجا هي التجارب السيئة والتي تجبر الشخص أيا كان بالتفكير من كل جوانب الموضوع عند خوضه من جديد على طاولة النقاش  ، فمع العثرات تولد ألف فكرة و ينشأ ألف رأي !
جنبا إلى جنب  تكون القراءة بنوعيها التخصصية أو البعيدة تماما عن دائرة التخصص و التي تخلق لدى الشخص بعدا آخر ووجهة نظر أكثر ثباتا و أكبر عمقاً ..
يضاف إليها ثالث هي مقابلة الاشخاص لأول مرة ، والتي هي بحد ذاتها عوالم مختلفة من التجارب الجديدة المحكية أو قراءات وثقافات يتم تبادلها من خلال النقاشات الجانبية بين كل فرد و فرد أو بين قصة و أخرى
وهذا ما يجعلك أنت كشخص تضع في حسبانك فضيلة الصبر و البصيرة فتنظر خلالها لعدد من الاراء المتفق عليها و المختلف منها  .. لتتصف أخيرا بالنضج المنشود و الحكمة المرجوة التي سعى فيها الكثير دون فاعلية ذات أثر
إتفقت معي يا صديقي أم إختلفت هي من وجهة نظري ثلاث : تجارب سيئة ، وقراءة معمقة ، وعلاقات متجددة

وهي ليست حصرا بهذه الثلاث ، ولك إضافة ما تريد كعلامة نضج تقول لي دوما أن أقْبَلكْ

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: